الشهيد الثاني
66
الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية
من هذا الجانب الذي هو اليسار متوجّها إلى الجنّة . وفيهما نظر : أمّا الأول : فلمنع اطَّراد المثال في اليسار ، وإنّما المسموع منه والمعقول الوراء وما شاكله ، ووجهه واضح ، لأنّ ما كان إلى الوراء لا ينظر إليه ، وإنّما ينصرف النظر إلى خلاف جهته ، فكأنّه يقال : في ما وراء قطعت نظري عنه واهتممت بغيره ، وأمّا اليسار فلا ، بل هو كاليمين في ذلك . ومعلوم أنّ الموضوع عليه لا تدلّ اللغة ولا العرف على انصراف النفس عنه وتوجّهها إلى غيره ، بل ربّما كان من جهات التوجّه ومواضع الاهتمام وإن كان الإمام أقوى توجّها وأشدّ عناية . وأمّا الثاني : فلأنّ التوجّه إلى الجنان نحو اليسار خال عن النكتة ، إذ لا شرف فيها ، بل هي مرجوحة في تلك الدار ، كما نبّه عليه بقوله : * ( وأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ ) * ( 1 ) . فكان الانصراف نحو اليمين أولى كما نبّه تعالى عليه في قسم الشمال . واقتراح الجهة الخالية عن النكتة في مثل الدعاء البليغ الصادر عن ترجمان الفصاحة وإمام البلاغة غير لائق ، خصوصا مع ظهور المزيّة في غيرها من الجهات كاليمين والإمام . تمام الدعاء : ( وحاسبني حسابا يسيرا ) لم يطلب دخول الجنّة بغير حساب ، هضما لمقامه واعترافا بتقصيره عن الوصول إلى هذا القدر من القرب ، فإنّه مقام الأصفياء ، بل طلب سهولة الحساب ، تفضّلا من اللَّه تعالى وعفوا عن المناقشة بما يستحقّه ، وتحرير الحساب بما هو أهله . وفيه مع ذلك اعتراف بحقّية الحساب ، مضافا إلى الاعتراف بأخذ الكتاب ، وذلك بعض أهوال يوم الحساب .
--> ( 1 ) « الواقعة » 56 : 41 - 42 .